هشام جعيط

232

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

خاصة بها « 1 » . كان عدد القبائل والعشائر مهما في الكوفة منذ البداية : من هنا تنافر الكيان القبلي ، الذي تضخم بتدفق الروادف المهاجرين بصورة مستمرة « 2 » ، فأصبحت الكوفة لذلك إسقاطا ، على مجال صغير ، لبلاد العرب قاطبة . فضلا عن وجود البنية الموروثة عن جيش القادسية وربما السرعة الكبيرة التي بها تم الاستقرار الأول ، وبذلك تشعبت القضية . كان جيش القادسية مقسما أعشارا بالفعل « 3 » ، بمعنى أنه تجمّع في عشر وحدات ويرجح أنه اقتبس تنظيمه ذاك من النسق الفارسي الذي اعتمد الفرق العشرية أي عشرة ومائة وألف . كانت تلك الوحدات تشمل عددا متساويا من المقاتلين في كل وحدة ، فكانت وحدات للتجنيد قبل كل شيء حافظت على الكيانات القبلية . وبما أن أعداد الحشود كانت غير متساوية ( 4000 من تميم ورباب و 3000 من أسد و 1300 فقط من الأزد وبضع مئات من ثقيف ) ، فقد وجب التجميع بصفة منسجمة بحيث لا ينال القبائل أي تشتت . إذا كانت الجماعة القبلية كافية في حد ذاتها ، كان يمكن تشكيل العشر وجلب الحشود إليه من ذوي القربى . ولا شك أن نسق الأعشار كان الأساس في أنساق التجمعات التالية . فهل تدخل هذه الظاهرة ضمن ما رواه سيف عن الاستقرار الأول ؟ توزّعت الخطط حسب الجهات الأربع حيث تلاحظ مطابقة الخطة لقبيلة وحيدة في أكثر الأحوال وكان يتجمع حول القبيلة المهيمنة الأخلاط « 4 » وهي عشائر من قبائل مختلفة ، وتوجد أخيرا حالات نادرة بحيث يستقر ثنائي قبلي ( بجلة وبجالة ، الأنصار ومزينة ، تميم ومحارب ) « 5 » . ويقول المؤلف بصراحة « 6 » : « وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن ونزل فيها الأعشار من أهل الأيام والقوادس » . ماذا يقصد بقوله هذا سوى أن الجماعات المقيمة بالخطط كانت تطابق الأعشار ، وأنه يمكن التأكيد في هذه المرحلة الأولية على تطابق المبدأين ؟ بل نجدها الفترة الوحيدة التي تطابقت فيها بصورة مجملة الخطة والقبيلة والإطار العسكري الإداري الذي كان يجسمه العشر ، وسوف تؤثر نهائيا على مظهر الكوفة . فلا الأسباع الوريثة للأعشار ولا أرباع زياد غيّرت أصلا مواقع القبائل كما تمّ تحديدها ، بمعنى تغيير تنظيم المجال بالكوفة .

--> ( 1 ) كتاب البلدان ، ص 311 . ( 2 ) . الطبري ، ج 3 ، ص 614 ، وج 4 ص 45 . ( 3 ) الطبري ، ج 3 ، ص 488 لا يمكن أن يكون ذلك متطابقا مع فرق العشرة جنود الرومانية كما ذكر كايتاني . ويقول ابن حبيش ، كتاب الغزوات ، ورقة 216 . إن أمراء الأعشار يأتون في المرتبة الثانية بعد أمراء التعبئة وقبل أمراء الرايات ورؤساء القبائل . وكل النسق يأتي ضد فكرة أن الأعشار هي عشر عرافات أي مائة رجل كما يرى ذلك ع . م . السامرائي ، مقال منشور في المورد ، 1984 ، ص 10 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 45 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 45 .